يوسف المرعشلي

1035

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ثم صلّي عليه في جامع الشهداء الذي كان هو أول من حفر أساسه ، ثم دفن في مقبرة الشهداء ، وكانت وفاته عام 1965 م ، رحم اللّه الشيخين محمد أحمد ، ومحمد عمر سوبرة وأدخلهما فسيح جنانه . المهدي السّوداني « * » ( 1259 - 1302 ه ) المجاهد الشيخ الشريف محمد أحمد بن عبد اللّه الحسيني الملقّب بالمهدي السوداني ، كان لجهاده أثر كبير في حياة السودان السياسية . ولد في جزيرة تابعة لدنقلة ، من أسرة اشتهر أنها حسينية النسب . وكان أبوه عالما فقيها ، فتعلّم منه القراءة والكتابة . وحفظ القرآن وهو في الثانية عشرة من عمره . ومات أبوه وهو صغير ، فعمل مع عمه في تجارة السفن مدة قصيرة ، وذهب إلى الخرطوم ، فقرأ الفقه والتفسير ، وتصوّف ، وانقطع في جزيرة عبة ( آبا ) في النيل الأبيض مدة خمسة عشر عاما للعبادة والدرس والتدريس ، وكثر مريدوه ، واشتهر بالصلاح والتقوى . سافر إلى « كردفان » فنشر فيها « رسالة » من تأليفه يدعو بها إلى الجهاد ضد المستعمرين الكفرة الإنكليز . وجاءه عبد اللّه بن محمد التعايشي فبايعه على القيام بدعوته . وقويت دعوته بقبيلة « البقّارة » وقد تزوج منها . وهي عربية الأصل من جهينة . وتلقب سنة 1298 ه ( 1881 م ) بالمهدي ، وكتب إلى فقهاء السودان يدعوهم لنصرته . وانبثّ أتباعه ، ويعرفون بالدراويش ، بين القبائل يحضّون على الجهاد . فأغرى الإنكليز به رؤوف باشا المصري حاكم السودان العام ، فاستدعاه إلى الخرطوم ، فامتنع ، فأرسل رؤوف قوة تأتيه به ، فانقض عليها أتباعه في الطريق وفتكوا بها . وساقت إنكلترا جيوشا مصرية لقتاله بقيادة جيقلر ( Giegler ) البافاري ، فهاجمه نحو 50 ألف سوداني وهزموه . واستولى المهدي على مدينة « الأبيّض » سنة 1300 ه . وهاجمه جيش مصري ثالث بقيادة هيكس ( Hicks ) فأبيد . فتوسّط الإنكليز جمال الدين الأفغاني بعد توالي هزائمهم أمام جيوش المهدي ليثنيه عن عزمه ويقنعه بالخضوع والطاعة . وهاجم بعض أتباعه « الخرطوم » وفيها غوردن باشا ( Charles George Gordon ) فقتلوه وحملوا رأسه على حربة ( سنة 1302 ه ) وانقاد السودان كلّه للمهدي . كان فطنا فصيحا قويّ الحجة ، إذا خطب خلب . قال صاحب « البحر الزاخر » : وقطن المهدي « أم درمان » المقابلة للخرطوم ، وأقام يجمع الجموع ويجنّد الجنود لأجل تحرير الديار المصرية ، وأرسل مكاتيب من طرفه للخديوي والسلطان عبد الحميد وملكة إنكلترة يشعرهم بدولته ومقر سلطنته ، وضرب النقود . ولكنه لم يلبث أن مات بالجدري في « أم درمان » وقد أوصى بالخلافة من بعده لعبد اللّه التعايشي . وجمع ما وجد من كتاباته لخليفته التعايشي في كتاب « مجموع المناشير » ( ط ) في 71 صفحة . ووصف إبراهيم فوزي « باشا » صورة « المهدي » ولباسه - وقد رآه - بما مجمله : كان طويلا أسمر بخضرة ، ضخم الجثة ، عظيم الهامة ، واسع الجبهة ، أقنى الأنف ، واسع الفم والعينين ، مستدير اللحية ، خفيف العارضين ، أسنانه كاللؤلؤ ، يتعمّم على قلنسوة من نوع ما يتعمّم عليه أهل مكة ، وعمامته كبيرة منفرجة من الأمام يرسل عذبة منها على منكبه الأيسر . ثم قال : وقد رأينا صورا كثيرة يقال إنها صورته ، ولكنها كلها صور خيالية تبعد عن الحقيقة بعد السماء عن الأرض ، وكذلك كل صور التعايشي خيالية أيضا لا تقرب من الحقيقة مطلقا .

--> ( * ) سرهنك : 2 / 496 ، و « تاريخ مصر » للإسكندري وسفدج : 2 / 283 - 291 و 296 ، و « البحر الزاخر » لمحمود فهمي المهندس : 1 / 240 - 256 ، و « صفوة الاعتبار » لبيرم : 4 / 119 ، و « حاضر العالم الإسلامي » الطبعة الأولى : 1 / 89 و 90 ، و « السودان بين يدي غوردن وكتشنر » لإبراهيم فوزي باشا : 65 - 73 ، ومواضع أخرى منه كثيرة . وفي « الكافي » لشاروبيم : 4 / 381 كانت البيعة للمهدي هكذا : بايعنا اللّه ورسوله وبايعناك على طاعة اللّه ، وأن لا نسرق ولا نزني ولا نأتي بهتانا نفتريه ، ولا نعصيك في أمر بمعروف ونهي عن منكر ، بايعناك على الزهد بالدنيا وتركها وأن لا نفر من الجهاد رغبة فيما عند اللّه .